الشيخ محمد رشيد رضا

375

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فعلم من هذه النقول ان الإكذاب يشترك مع التكذيب في معنى رواية الكذب ، وينفرد التكذيب بمعنى الرمي بافتراء الكذب إما مخاطبة كأن يقول له كذبت فيما قلت ، وإما باسناده اليه في غيبته كأن يقول كذب فلان وافترى ، وينفرد الإكذاب بمعنى وجدان المحدث كاذبا فيما قاله بمعنى ان خبره غير مطابق للواقع ، لا بمعنى انه افتراه ، وبمعنى الاخبار بذلك اي بعدم مطابقة الخبر للواقع . فعلى هذا يكون المراد من مجموع القراءتين ان أولئك الكفار لا ينسبون النبي ( ص ) إلى افتراء الكذب ولا يجدونه كاذبا في خبر يخبر به بأن يتبين أنه غير مطابق للواقع ، لان جميع ما يخبر به من أمر المستقبل كنصر اللّه تعالى له واظهار دينه وخذل أعدائه وقهرهم سيكون كما أخبر ، وكذلك كان . وانما يدعون ان ما جاء به أخبار الغيب - وأهمها البعث والجزاء - كذب غير مطابق للواقع . ولا يقتضي ذلك ان يكون هو الذي افتراه ، فان التكذيب قد يكون للكلام دون المتكلم الناقل ، ولكن هذا النفي يصدق على بعض المشركين لا على جميعهم كما يأتي وذكر الرازي في نفي التكذيب والاكذاب مع اثبات الجحود أربعة أوجه ( 1 ) انهم ما كانوا يكذبونه ( ص ) في السر ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية ويجحدون القرآن والنبوة ( 2 ) انهم لا يقولون له : انك كذاب لأنهم جربوه الدهر الطويل فلم يكذب فيه قط ، ولكنهم جحدوا صحة النبوة والرسالة واعتقدوا انه تخيل انه نبي وصدّق ما تخيله فدعا اليه ( 3 ) انهم لما أصروا على التكذيب مع ظهور المعجزات القاهرة على وفق دعواه كان تكذيبهم تكذيبا لآيات اللّه المؤيدة له أو تكذيبا له سبحانه وتعالى ( قال ) : فاللّه تعالى قال له ان القوم ما كذبوك ولكن كذبوني : أي على معنى ان تكذيب الرسول كتكذيب المرسل المصدق له بتأييده . وذكر انه على حد ( إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ) ومثله ( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ) ( 4 ) - قال وهو كلام خطر بالبال - ان المراد إنهم لا يخصونك بهذا التكذيب بل ينكرون دلالة المعجزة على الصدق مطلقا ويقولون في كل معجزة انها سحر « فكان التقدير انهم لا يكذبونك على التعيين ولكن يكذبون جميع الأنبياء والرسل » اه ملخصا بالمعنى غالبا وفيه قصور . وسكت